نظرية القوة الذاتية لدى شيعة العراق

محمد صادق الهاشمي

توجد نظرية لدى الشيعة مفادها: إنْ  المجتمع السُني وجد قدرته وقوته في السلطة والحكم، فإنّ هذه القدرة تزول بلا اشكال بزوال السلطة والحكم ،  خلاف ذلك لدى الشيعة؛ فإنّ قوتهم موجودة خارج دائرة السلطة من خلال عناصر القوة الذاتية المتمثّلة بما يأتي بيانه:

1-     تعداد نفوس المكوّن الشيعي السكانية فقد أكّدت كلّ المصادر والإحصاءات أنَّ نفوس الشيعة في العراق هي الأكثر عدداً؛ فإنّ الاستطلاع الذي أجرته الإدارة البريطانية للعراق عام 1919م أكّد أنّ نسبة الشيعة 55% والإحصاء الذي أجرته الحكومة العراقية عام 1947م والذي نشره حنّا بطاطو أكّد أنَّ نسبة الشيعة 4/51% مما يؤكّد أنّ عدد الشيعة هو الاكثر، وهذا أمر جعل الشيعة يشعرون تاريخياً وحاضراً بنحو خاصّ أنّهم هم الأحق بالسلطة تماشيا مع النظم الديمقراطية العالمية، وقد عملت الأحزاب السياسية الشيعية في العقود الأخيرة من القرن العشرين على نشر هذه الثقافة السياسية في أوساط الناشطين السياسيين الشيعة، و قاد هذه النهضة الشيعية السياسية في العراق تحت هذا المفهوم- حق الاكثرية –  الإمام محسن الحكيم، والشهيد الصدر الأول، والجدير بالذكر أنَّ الإمام الحكيم واجه الطائفية بوضوح زمن عبد السلام عارف ثم الشهيد الصدر الأول والثاني، ومعه حركات وأحزاب وعلماء، ومن قبله كاشف الغطاء الذي واجه التمييز الطائفي زمن الملكية، كل هذا الحراك يكشف عن أنَّ الشيعة إنّما يبحثون عن مستحقات حيزهم العددي الحقيقي سياسياً الذي ينسجم مع مكانتهم الاجتماعية , والتي تتلاءم مع قدرتهم السكانية، وعددهم الذي يعطيهم (قوة ذاتية).

المهم أنّ أحد عناصر «القوة الذاتية» لدى شيعة العراق التي دفعتهم للمطالبة بحقوقهم هو أنّهم الأكثر عدداً، وأنّهم يشكلون الأغلبية في العراق، وهذا ما اعترفت به كل الجهات وأيّدته الإحصاءات وثبت في بطون العديد من المؤلّفات, واقرته البطاقة التموينية التي ورثناها عن النظام السابق .

 

2-     وجود المرجعية التي تعد عنصراً مهمّاً في بثّ القدرة والقوة الذاتية، والميل لنيل الحقوق والعمل على توجيه الشيعة وحفظ حقوقهم والسير بهم نحو القوة والمكانة المستقلّة بعيداً عن الكرسي، فكم عانى الشيعة البطش والتهميش والقتل على امتداد التاريخ، لكنهم بقوا عنصراً مهمّاً، ومكوّناً حاضرا من مكوّنات المجتمع العراقي ، يتحدى الزوال والاندثار، ويحسب له ألف حساب عبر التاريخ السياسي العراقي، وفي هذا الصدد ينقل السيد حسن شبّر في كتابه الموسوم بـ«التحرّك الإسلاميّ من عام 1900 ـ 1957» قولاً مفاده «… إنّ الاتراك وجدوا أنّ فتاوى العلماء السنة غير قادرةٍ على تحريك المسلمين ضدَّ الانكليز؛ لأنَّ كبير المفتين السُنّة في تركيا أصدر العديد من الفتاوى من دون أنْ تؤدي الى تحريك المجتمعات السنية، بينما فتاوى المراجع الشيعة حرّكت عشائر العراق الشيعية، وحتى السُنية والكردية عام 1914م لغاية عام 1918م وقد خاض الشيعة جهاداً طويلاً أثر هذه الفتاوى». من هنا يتجلى لنا أنَّ سر قوّة المكوّن الشيعي بانها تكمن ليس في السلطة، بل في (القوة الذاتية) التي لها ركائز عدة، إحداها وأهمها المرجعية, والذخيرة الكبيرة للحوزة العلمية من نتاجات وعلوم وبحوث ونتاجات فكرية وفقهية تشكل رصيد فكري يعمق القدرة الذاتية لدى الشيعة في العراق ويجعلهم مصدرالهام الى الشعوب الاسلامية فمكانة النجف العلمية تمتد على هام الحقب وتعلوا رووس الليالي .

 

3-     وجود العتبات المقدّسة: بوصفها باعثاً على تجدد الحياة العقائدية سياسياً في توجه الشيعة نحو الاستقلال، ونيل الحقوق، وما يتبع ذلك من إحياء الشعائر، وأنّ الخطباء والمنابر وأئمة المساجد، ويوم عاشوراء، وزيارة الاربعين، كل تلك الشعائر لها دور بارز في تنمية الوعي الاستقلالي، فضلاً عن أنّها ممارسات روحية حركّت المجتمع الشيعي نحو القوة والاقتدار ونيل الحقوق في العديد من المناسبات؛ لأنّها تستنهض الهمم من خلال الايحاء الروحي في ثورة الحسين (ع)، فعمقُ هذه المناسبات وهذه الشعائر يعدَّ من خصائص القوة والاقتدار الذاتي في الأمّة، وتعمل على تكوين ثقافة التحرر والثورة من خلال استلهام مبادئ ثورة الحسين (ع)، وخير دليل على ذلك انتفاضة صفرفي السبعينيات التي بسببها زج السيد محمد باقر الصدر في السجن، وهكذا السيد محمد باقر الحكيم، وانتفاضة شعبان في عام 1991م،وتاليا الموقف الشعبي الشيعي من داعش استجابة لفتوى المرجعية, وعليه، فإنّ لهذه الشعائر والمناسبات رمزيةً وقدرةً في بعث القوة والارادة لدى المكوّن الشيعي، وشعوره بالقدرة النفسية، وسلطة الهوية، وسلطة المكوّن ذاتياً التي قلنا: إنّها سلطة خارج سلطة الكرسي، وإنّها سلطة ذاتية ولطالما غيرت المعادلات السياسية في العراق.

 

4-     وجود الشيعة على مساحة أرضية خصبة متصلة واسعة جداً جعلتهم يشعرون بنوع من القوة والاقتدار؛ إذ أنّهم يطلّون على منافذ بحرية، ويجاورون الجمهورية الإسلامية وغيرها من الدول العربية، مما يجعلهم يتحكمون بمحركات سياسية واقتصادية وجيوبولتيكية وجيوسياسية مهمّة، وعوامل مهمة أخرى في المسيرة السياسية للدولة العراقية عبر التاريخ. وهذه ـ أعني ثقافة القدرة السياسية من خلال الاقتدار الجغرافي ـ أخذت تتبلور بعد تسلم الشيعة للحكم والسلطة في العراق؛ إذ أخذوا يتعرّفون على عناصر قوتهم في كل زاوية ومحور وجانب سياسي واجتماعي واقتصادي وتجاري واعلامي وعلمي .

 

5-     وجود المنابع البترولية ـ النفط والغاز ـ في الجنوب الشيعي؛ إذ أنّ البصرة وحدها تحتوي على70% من نفط العراق، فضلاً عن باقي المحافظات، وأنّ العراق يحتوي على 78 حقلاً نفطياً 73% منها في الجنوب الشيعي.  فضلا عن  الموانئ: فإنَّ المكوّن الشيعي تقع ضمن جغرافيته موانئ البصرة، ولايوجد في العراق أي منفذ وممر مائي وميناء إلّا من خلال البصرة.  وهكذا الأراضي الزراعية: فإنّ الإحصاءات التي أنجزها الجهاز المركزي للإحصاء تشير حسب استقرائنا إلى أنَّ نسبة 32% من أراضي العراق الصالحة للزراعة لعام 2010 لغاية عام 2020 تقع ضمن المناطق الشيعية.

 

وبعد تدقيقنا في هذه النسبة وجدنا أنَّ 67% منها يقع ضمن حوض الفرات الأوسط والجنوب الشيعي، وهناك باحثون أكّدوا هذا المعنى.

وغير ذلك من عناصر عديدة كونت لدى الشيعة الشعور بالاقتدارالذاتي مما يعني أنَّ ثقافة القوة والاقتدار ولدت بسبب طبيعي صحيح وخارج القوة والهيمنة العسكرية، وهي قائمة بذات المكوّن الشيعي سواء حكم هذا المكوّن أو لا، وسواء أكانوا على رأس السلطة أم خارجها.

وهذا يعني أنّ قوة المكوّن السني ترتكز على السلطة، وقوة الشيعة ترتكز على القوة الذاتية، وينتج عن هذا ثقافتان سياسيتان متباينتان تماماً داخل المكوّن الاجتماعي العراقي العام، إذ كل واحد يجد قدرته ومصدرها ويجد سلطته ومصدرها من خلال مصادر مختلفة وسلوك مختلف، وتكون له نتائج وآثار مختلفة في الواقع الاجتماعي السياسي في العراق، والى هذا المعنى أشار العديدمن الباحثين الى أنَّ هذا التباين في التواجد السياسي وما ينتج عنه من صراع راهن له جذور ضاربه في أعماق السيكولوجيا الاجتماعية وذخيرة الوعي لكلا المكونين.

 

مع كل تلك المقومات التي تمنحهم قدرة ذاتية على صناعة الدولة نجدهم اكثر المكونات تعايشا وسلاما وقبولا بالاخر وتفهما للواقع ولينا في الخطاب وحضورا في الوعي الاجتماعي, وكم فتحوا اذرعهم لاحتضان الاخر متناسين ومتسامحين ومتعالين على  تاريخ الموت وتعاملوا بروح الابوة وبما يمتلكون من خزين فكري واخلاقي ورثوه عن مدرسة  ال البيت (ع)  .