هل يعيد التاريخ تجربة العراق قبل (97) عاما؟

هل يعيد التاريخ تجربة العراق قبل (97 ) عاما ؟

 

كيف تمكن الغرب تحويل ولاء العشائر العراقية  من المرجعية الى الدولة العلمانية في العهد البريطاني الملكي؟

 

محمد صادق الهاشمي

حاولت المؤسسات الحكومية البريطانية في العهد الملكي  وبتخطيط وتدبير بريطانيا آنذاك أنْ تغير ولاء الشعب العراقي من المرجيعة الى الدولة العلمانية ؛ لأنّها- ثقافة الولاء للنجف-  تتعارض مع مصالح بريطانيا في العراق، وهي تتابع موقف القبائل وتأثير المرجعية فيها خلال ثورة عام 1914 وخلال عام 1916.

جميع المصادر تؤكّد: أنّ تحرّك علماء الشيعة بمساعدة القبائل العراقية الشيعية هو الذي عجّل في منح العراق الاستقلال –  وإنْ كان استقلالاً ناقصاً –  وفي 30 تشرين الثاني عام 1921م حينما حاولت بريطانيا اجراء استفتاء لغرض تخفيف الاحتقان السياسي الداخلي، وامتصاص غضب الشعب العراقي، وبهدف ترسيخ الحكم البريطاني كأمر مفروغ منه، فكانت فتوى السيد الشيرازي التي حسمت الأمر بحرمة إعطاء الولاية لغير المسلم على المسلمين وهكذا استمر الأمر حينما عارضت المرجعية وبمساندة رؤساء العشائر والوجهاء المعاهدة مع بريطانيا، وعارضت انتخابات المجلس التأسيسي الذي يراد منه أنْ يقر المعاهدة، من هنا أتت المخططات البريطانية لتفتيت وحدة المسلمين، وإضعاف المرجعية، وتدخلت بريطانيا لتغيير ثقافة العشائر السياسية من خلال فصلها عن المرجعية وربطها بفكر الدولة والأحزاب العلمانية، كي ينتج عنه تغيير لمواقفها العملية ففي أوائل حزيران ـ 1923 قرر عبد المحسن السعدون نفي علماء النجف الأشرف ولاجل هذا القرار كانت هناك خطوات اتخذهاالملك فيصل بوحي من بريطانيا وتوجيه من مخابراتها.

وفي 17 حزيران 1923 قرر مجلس الوزراء تنفيذ القرار، ولتهيئة الأجواء تمهيداً لتنفيذ نفي هؤلاء العلماء والمراجع البارزين سافر الملك فيصل في 18 حزيران 1923 إلى الجنوب العراقي وخطب بالبصرة والناصرية ثم في الديوانية والحلّة واستطاع خلال جولته إقناع عدد من رؤساء العشائر بتغيير موقفهم المعارض، مقابل تعهد الملك لهم بالمزايا المالية والمعنوية والحكومية فقبلوا أمره واستجابوا لدعوته، ولقدْ مثل موقف رؤساء القبائل هذا تراجعاً كبيراً عن مواقفهم السياسية، وأضعف كثيراً من قوة  المرجعية الشيعية ودورها السياسي ، التي كانت العشائر تمثل لها السند الميداني، والقوة الحقيقة، فإنّه بعد أنْ انسحبت بعض العشائر، وخرجت من دائرة المعارضة، فإنَّ قوة العلماء السياسية ضعفت أيضاً، ويعدّ تحوّل رؤساء العشائر من صف العلماء إلى صفّ الدولة القومية والحكومة العلمانية والقبول بمغرياتها انعطافا كبيراً في الثقافة السياسية للقبائل العراقية، ترتب عليه تغيير في مواقفهم العملية، وموقفهم من الحوزة والمرجعية، فظهر في هذه المرحلة جانب نلفت النظر إليه هو أنّ تحوّل القبائل نحو ثقافة الدولة بما تحمله من علمانية وفكر قومي وتعارض مع الدين أضعف الموقف السياسي الإسلامي للمراجع، حينها أخذ الاعلام والخطاب الحكومي يسمي المراجع بتسميات توحي للفرد العراقي بأنَّ هؤلاء ليسوا عراقيين، وأنّهم بما يحملونه من ثقافة سياسية إسلامية دخلاء على المجتمع العراقي والقبائل العربية، فسمّتهم بـ(الأجانب والايرانيين والدخلاء)، وهذا نصّ ما تحدّث به مجلس الوزراء في العام المذكور نفسه قرر بمادته الثالثة: «تأديب المقاومة غير المشروعة بصورة قانونية وشديدة، وذلك بإخراج الأجانب منهم».

وفي 25 حزيران 1923 أصدرت الحكومة بياناً تذمّ فيه المراجع الذين يعرقلون الانتخابات وتصفهم «بأنهم دخلاء»، ولاتهمهم مصالح الشعب.

ونفس التعابير وردت في خطابات المس بيل إذ سمتهم (الأغيار) ومما يدلّ على تغير المواقف السياسية تماماً لدى القبائل أنّه بعد أنْ اتخذت السلطات آنذاك بتاريخ 1تموز 1923 قراراً بنفي أبرز علماء النجف (السيد أبي الحسن الأصفهاني، والميرزا حسين النائيني وغيرهم)، فإنّ زعماء القبائل الذين كانوا يستجيبون لأمرالمراجع ويقاتلون تحت رأيهم ورايتهم لم نجد لهم أي تحرك أو اعتراضٍ قبلي شعبي صدر عن شيخ عشيرة على هذا القرار.

إذن إلى هنا تنطوي مرحلة وتبدأ مرحلة قومية علمانية  جديدة، بل أخذت بعض وسائل انذاك  الاعلام تهاجم المراجع الذين تمّ نفيهم، وتؤيّد القرار الحكومي بطرد المراجع، وتنعت المراجع بنعوت شائنة، فإنّ سلمان الشيخ داوود كتب تحت عنوان (الجبن الأدبي) مقالاً افتتاحياً قال فيه: مع أنّ هؤلاء (المراجع) المتذبذبين عاشوا متظللين بسماء العراق العربي، واستنشقوا هواء هذه البلاد فإنّهم لم يفتأوا عن محاربتها تحت ستار الدين… فهم بذلك يخونون البلاد التي يتنعمون تحت ظلها الوارف بقصد خدمة شعب أجنبي (إيران)، كان من أكبر القضاء على دولة العرب… وأنا على يقين من أنّهم لم يقصدوا سوى الفتّ في ساعد الحركة العربية…»( ).

وفي 28 حزيران من العام نفسه جرى للملك فيصل في الديوانية احتفال عظيم حضره الكثير من رؤساء عشائر الفرات الأوسط ووصفهم الاعلام آنذاك بأنهم أبطال «ثورة العشرين» وقال الإعلام عنهم: إنّهم متفانون في إتباع سياسة الملك، وامتثال أمره، ومستعدون للدفاع عن القومية العربية (انظر القومية العربية).

وأجابهم الملك فيصل جواباً يحثّهم على مغادرة الفكر والثقافة السياسية الإسلامية، وأنْ يتجهوا نحو فكر الدولة بكلّ توجهاتها وإيديولوجيتها القومية قائلا: (إنّ هذه البلاد التي حررت نفسها… لايمكن أنْ تستسلم لدعوة أجنبية (يقصد علماء ومراجع الحوزة العلمية).

وفق هذا التحوّل في الثقافة السياسية للقبائل العراقية من الفكر السياسي الإسلامي إلى فكر الدولة العلماني، ولم يعترضوا على نفي مراجع الطائفة التي ينتمون إليها، وابتداءً من هذه المرحلة يرى المؤرّخون أنّ ثمّة انقلابا في الوعي السياسي لدى القبائل قد حصل، وأنَّ القوة العشائرية التي كانت قوّة ضاربة بيد العلماء صارت قوة ضاربة بيد الملك فيصل بكلّ توجّهاته، وإنَّ عبارات القبائل واضحة في الإشارة إلى قبولهم بنفي العلماء وإذعاناً منهم بتوجه الدولة السياسي العلماني، وأنّها في رأيهم وتأييدهم فوق المرجعية، وأنْ لاصوت يعلو على صوت الدولة العلمانية.

تلك هي مرحلة من تاريخ العراق وتحولاته نامل ان لاتتكرر باذن الله سيما ان العشائر اليوم اكثر وعيا لكن للاسف ان الخط العلماني والانقلاب على الاسلام السياسي اخذ ينتشر بدعم خارجي لتعاد تجربة عام 1921 اي تعاد تجربة كانت قائمة قبل (97 ) عاما والعاقل يفهم والاسلاميون يتحملون المسولية فيما يحصل الان والله من ورائ القصد . انتهى