شهادةٌ للتاريخ

محمد صادق الهاشمي

في البداية ، أنا أعلمُ أنّ بعض الأجلّة من أخوتي سوف يحملون كلامي محمل الدعايات الانتخابية ، ومن يعرفني يعرف أنّي لم ولن أرشّح نفسي يوماً للانتخابات قديما ولا حديثاً ,  وأنّي لم استلم من دولة العراق منذ أنْ تأسست إلّا راتب سجين قضى من عمره وشبابه عقداً من الزمن في مطامير سجون الطاغية ، أسال الله أنْ يجعلها في ميزان حسناتي ، ويدّخرها لي في : {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشّعراء 26: 88 ، 89].

وأعلم أنّ بعض أخوتي سوف يفسّر كلامي بأنّي أدافع عن السياسيين ، أو أنّي مكلّف من بعض الجهات في تلميع بعض الوجوه ، وأنا أترك أمرهم إلى الله ، عاذراً غافراً لهم مُقَدَمَاً.

وأقول :

1. لا ينكر أبناء الشعب العراقيّ قدر الحرية الذي تحقق ، فالمدنيّ والإسلاميّ يحقّ له الحديث والتعبير عن رأيه بكُلِّ احترامٍ , حتّى لو كان التعبير قاسياً ، فلا مشانق ندفع أنفسنا إليها ثمنا لكلمة تقال في البين ، ولا ((مسلم الجبوريّ)) .

 

2. ولا ينكر الجميع أنّ العراق ولأوّل مرّةٍ عبر تاريخه الممتزج بالدّم والمشانق والموت وحزّ الرؤوس يحقق منجز الدستور الذي اشترك في كتابته جميع الشّرائح الاجتماعية ، والذي أعطى لكلّ ذي حقٍّ حقّه من دون تفريقٍ بين مواطن وآخر.

 

3. لا ينكر الجميع أنّ الدستور جعل الشعب مصدر السلطات ، وحامي السيادة والحرية والديمقراطية ، وأنّ العملية الانتخابية تُبقي القرار الحكوميّ بيد الأمّة ، هي من تختار الممثّلين لها وتعزل الفاسدين.

 

4. ولا ينكر أحدٌ أنّ الاسلاميين  شاركوا في الحكم كأحد الأطراف السياسية الفاعلة ، ويشاركهم في الحكم الآخرون ، شيعةً كانوا أو سنّةً أو كرداً ، فأيُّ نجاحٍ أو فشلٍ يتوزّعُ على الجميع بقدر واحدٍ ، ولا يمكن وفق هذه الحقيقة أنْ يتحمّل طرفٌ مّا المسؤولية وحده ، علماً أنّ الاسلاميين منذ عام 2003 كانت مشاركتهم لا تتجاوز 43% تقريبا .

 

5. نتذكر التحديات الخطيرة التي تعرّضت لها العملية السياسية من مقاطعةٍ ، ومحاولات التفكيك للدّولة ، وإسقاط الدستور ، وإفشال الحكومة ، وإشاعة الفوضى من خلال نشر الإرهاب.

6. ونتذكّر الدور الخطير للمحور الاقليميّ في إرسال المفخخات وإعادة انتاج البعثيين ؛ ليكونوا الأساس في شلّ حركة الدولة ، فكانت عشرات التشكيلات الدموية ، أبرزها حزب البعث والقاعدة والدواعش.

 

7. ونعترف أنّ الدولة العراقية كانت مهددةً بالزوال من خلال الارهاب الذي مهّدت له الإعتصامات التي أنتجت بسرادقاتها الدواعش ، وقد رُصدت لها المليارات من قبل آل سعود وقطر وتحت حماية إسرائيل ؛ لقتل تلك التجربة الديمقراطية في العالم العربيّ ؛ لكي لا يسرى أثرها إلى عوالمهم ، ويقلق مشيخاتهم .

 

8. لا ينكر أحدٌ أنّ العراق عاش عزلةً قاتلةً وحصاراً من الدول العربية ؛ لأسبابٍ طائفيّةٍ بلغت أنّ الشّيعيّ لا يحقّ له  الدّخول إلى بعض الدول ، بل إلى الآن ، فضلا عن مقاطعة السياسين الشيعة للعملية السياسية التي يكون الشيعة على رأسها , وعشرات الفتاوى الوهابية التي استبيح بها الدّم الحرام في عراق المقدّسات .

 

9. ولا ينكر أحدٌ أنّ العراق كان ولغاية عام 2010 تحت سيطرة الاحتلال الأمريكيّ ، ولكنّ القوّات الأمريكية لم تهتمّ بحماية المواطن ، بل  كانت راعيةً للإرهاب عبر شركة بلاك ووتر وغيرها العشرات.

 

10. ولا ينكر أحدٌ أنّ الخلافات بين الأقطاب السياسية الشيعية ومن غيرها كانت أحد معطّلات العملية السياسية والخدمية ، فضلا عن ممارسة البعض الخطيرة في دعم الإرهاب وحمايته.

 

11. لا ينكر أحدٌ أنّ العراق قد خسر أكثر من (40 ) مليار دولار فقط للإنفاق العسكريّ من ميزانيته لمواجهة داعش ، هذا فضلا عن الأرقام المليارية من البُنى التحتية التي دمّرها الإرهاب ، في وقت انخفض فيه سعر النفط ، وعاش العراق على القروض.

 

12. لا أريدُ أنْ أتحدّث عن أسرار الأموال التي تقاضاها البعض مقابل أنْ يعيّن فلاناً في منصبٍ مّا ، وهو اليوم طاعنا في النزاهة ، وداعياً للعدالة ، ومدّعياً الحرب على الفساد .

 

13. لا أريدُ أنْ أستعرض التاريخ المرير للمنابر السياسية والإعلامية وحتّى الدينية منها التي تحوّلت إلى منابر للطعن في العملية السياسية وللسياسيين ، دون التفريق بين منصف وغيره ، ودون أنْ يدركوا خطره على قناعات المواطن وثقافته وإيمانه بالدولة وما يولّده من احباط تنعكس آثاره على الجميع .

 

14. لا ينكر أحدٌ أنّ داعشَ والقاعدة لها رجالاتها وأدواتها من داخل الدولة والحكومة  التي شجّعت دخولها إلى العراق وفق أيديولوجيات قتل الدولة وإفشالها ، وكانت البوادر واضحةً من خلال تحريك الشرائح الاجتماعية في بعض المدن لمواجهة الجيش  وقوّات الأمن ؛ لإخراجهم من المدن تمهيدا لإدخال الدواعش ، وهم ذاتهم الذين مارسوا الجريمة في سبايكر وغيرها.

 

15. لا ينكر أحدٌ – وحبر التاريخ وسجلّات الأحداث لم يجفّ بعدُ – أنّ البعض غرّر بالمكوّنات لضرب الدولة والحكومة والعملية السياسية ؛ لإسقاطها فمنهم: من نصب السرادقات تمهيداً لاستقبال الدواعش والآخرين من أشباههم . ومنهم من أعلن الانفصال عن عراق يحكم فيه الشيعة ، مدّعياً أنّه غير معنيٍّ بالعراق ، والعراق غير معني به. ثمّ رافق هذا تهريبُ للنفط جهاراً وسرّاً إلى إسرائيل ، فنتج عن هذا حربٌ داعشيّةٌ ضروسٌ فقدنا فيها أعزّ وأخلص أبنائنا ، وتحمّل نتائجها المواطن السنّي والشّيعيّ من التهجير والتشريد والسلب والنهب وانتهاك الأعراض ، بينما نام الذين أوقدوا الحرب والفتنة في قصور الخليج وأربيل.

 

16. لا ينكر أحدٌ أنّ أكثر من خمسة مؤتمرات عُقدت في أربيل والأردن والخليج وفينا وغيرها تحت رعاية دولية وإقليمية لتأييد الدواعش وحزب البعث والعمل على تفكيك الدولة العراقية، مع هذا تمكّن العراق شعباً وحكومةً وبإسنادٍ مرجعيٍّ من استعادة الدولة والسيادة ، وصون الدستور والعملية السياسية .

 

17. لا ينكر أحدٌ المقابر الجماعية وسبي العراقيّات وبيعهنَّ ، وممارسة الرذيلة معهنَّ في عقر ديارهم .

 

أعترف بوجود فساد وفاسدين في المال والإدارة ، ولكن علينا أن نعرف أنّ الخلل الذي واجهته الدولةُ العراقية ، والعمليةُ السياسية والسياسيون ليس الفساد الماليّ فقط ، وإنّما واجهنا سجّلاً طويلاً من التحدّيات ، ومع هذا خرج العراق معافىً متماسّكاً حافظاً لدستوره الذي تآمرت كُلّ الدنيا ضدّه وما زالت , ففي الوقت الذي تذكرون فيه الفساد وسوء الخدمات أرجو أنْ تعرفوا وتتذكروا كُلّ تلك التحديات وأسبابها التي عانى منها العراق ؛ لتصونوا عمليتكم السياسية ، ودولتكم من خلال إفشال مؤامرة مقاطعة الانتخابات أو الالتفاف على الحقّ الدّستوريّ ، ولا يحقّ إلّا الحقّ بالامتثال لأمر المرجعية لإكمال لوحة الدفاع عن الوطن وتعزيز قوّته وتثبيت انتصاره من خلال المشاركة في الانتخابات وانتخاب الأصلح وليس أحدٌ سواه.

ختاما اعترف أنّ هناك فساداً خطيراً ومحاصصةً مقيتةً حاميةً للفساد ومشرعنةً له , لكن هناك تحديات أخطر  وسبل علاجها الوعي الانتخابي وطاعة المرجعية والله من وراء القصد .