المرجعية ودورها في العملية السياسية في العراق

السيّد محمّد صادق الهاشميّ

المرجعية ودورها في العملية السياسية في العراق
السيّد محمّد صادق الهاشميّ
……………………………………………
أوّلاً : ثوابت المرجعية
ونحن مقبلون على الانتخابات نحتاج إلى نوع من المراجعة فيما يخصّ دور المرجعية اليوم ومن خلال متابعاتنا إلى مجريات الأحداث ومواقف المرجعية ، ونؤكّد أنّ مرجعية النّجف الأشرف وقفت إلى جانب الإستراتيجيات الشيعيّة والوطنية العامّة ، أي مع الإستراتيجيات التي لا تتعارض مع حقوق أي مكّون آخر ، بل التي تندمج في رؤيةٍ وطنيةٍ عامّة منذ عام 2003 م ، هذه الأسس والإستراتيجيات انشأتها وأشرفت على انضاجها المرجعية ولم تتخلَّ عنها ، بل رافقتها بناءً وتأسيساً وتثبيتاً ومتابعةً ، وعليه فإنّ المرجعية هي من حدّدت للأمّة ثوابتها ، والمتمثّلة بما يلي :
(1). الحفاظ على العملية السياسيّة في العراق .
ولكنه حفاظٌ لا يتعارض مع حقوق المكوّنات سواءٌ الأكثرية منها أو الأقلية ، ولا يُلغي حقَّ أحدٍ ، أو يقلل من دوره ، أو يهمّش وجوده ، أو يعطيه حقّاً صورياً ، بل المرجعية كانت واضحةً في أنْ يحقق الدستورُ مصالح الجميع على قاعدةٍ اجتماعيةٍ سياسيةٍ صحيحةٍ ، وهي «ليأخذْ كلّ ذي حقٍّ حقَّه ».
(2). الحفاظ على الدستور العراقيّ كوثيقةٍ تحفظ السِّلمَ والعدل.
والمقصودُ من الحفاظ على الدستور الحفاظُ على السِّلم الاجتماعيّ ؛ لأنّه صمامُ أمانٍ ، بعد ما تمكّنت المرجعیة بآلیاتها أنْ يُكتب الدّستورُ بأيدٍ عراقيةٍ ، ليخرجَ من رحم الأمّة ؛ لأنّها شعرت أنّ لقوات الاحتلال رغبةً وجهوداً ومساعٍيَ في كتابة الدستور بطريقةٍ عقديةٍ بين الحاكم المحّتل وبين أعضاء مجلس الحكم ؛ لذا كانت المرجعية منذُ اليوم الأوّل مصرّةً على إعطاء صفة الشرعية للدستور من خلال كتابة الجمهور العراقي له ، مع قطع النظر عن الدين والقومية ، وقد عبّر السّيد الإمام السيّد السيستانيّ صريحاً عن الأمر بقوله : «..ولابدّ من إجراء انتخاباتٍ عامّةٍ لكي يختار كلُّ عراقيّ من يراه مؤهّلاً لتمثيله في مجلس تأسيسيّ لكتابةِ الدستور ».

(3). التأكيد على وحدة الموقف السياسيّ الشيعيّ ، وتقوية أركان الدولة ، وحفظ الأمن العام ، وتقوية الاقتصاد ، والتنّمية البشرية ، وتقديم أفضل الخدمات ، وتحسين المستوى المعاشيّ للمواطن ، وإقامة أمتن العلاقات مع العالمين العربيّ والإسلاميّ.
(4). تحقيق السيادة ، والوحدة الوطنية ، وتوحيد الشعب العراق.
(5) . الحفاظ على القيم الدينية والعقائدية والأخلاقية للأمّة.
(6) .توجيه الحكومة لأهمّية الاعتناء بالأمّة ، وتطوير مستواها الاجتماعيّ والتنمويّ والتربويّ والسياسيّ والدفاع عنها ، وأنْ تعمل على تنمية أجهزتها ومؤسساتها ووزاراتها الأمنية والاقتصادية والتربوية والخدمية والسيادية.
كلّ هذه الأسس والإستراتيجيات تعتبر نقاط اهتمام المرجعية ، ولم تترك المرجعية مناسبة إلّا واغتنمت الفرصة للتأكيد عليها والاهتمام بها ، ومن المؤكّد أنَّ المرجعية وضعت أسس الحفاظ على الإستراتيجيات الشيعيّة محلّ تقديسها ، وجعلتها نقاط الارتكاز ، والذي يراجع البيانات التي صدرت من مكتب الإمام السيستانيّ في هذه المرحلة يجد التأكيد على كلِّ هذه المضامين كراراً.
ويحقّ لنا القولُ : لولا دور المرجعية في حثّ الأمّة على الانتخابات والمشاركة فيها ، ولولا دورها في حثّ الأمّة على الحفاظ على العملية السياسيّة ؛ لوجدنا أنَّ الأمّة قد قاطعت الانتخابات في مراحل متأخّرةٍ من عمرها ؛ لأنَّ النّاس قد سئموا تصرّفات بعض السیاسیین، ولكنَّ المرجعية دوماً بقيت منحازةً للمصالح العامّة ، ولمصالح الأمّة وللفقراء والمحرومين.
المرجعية في العراق تمكّنت من أنْ تكون صمّام الأمان لوحدة وأمن العراق ؛ لأنّها تحظى بقدسيةٍ عاليةٍ لدى جميع مكوّنات الشّعب العراقيّ ، وما شعار الإمام السيستانيّ في :«أنّه يقف بمسافةٍ واحدةٍ من الجميع» إلّا آلية لجعل المرجعية خيمة العراق ، وتمثّل الأبوّة العالیة الحقیقیة له ، ولكي تحلّق بعيداً عن الخصومات السياسيّة ، وتبقى نقطةَ التقاءٍ للمكوّنات العراقية ، وتغرس هذه الثّقافة في أعماق العقل العراقيّ , إلّا أنّه مع ظهور الاخفاق الخدميّ والإداريّ لوحظ أنَّ المرجعية أغلقت أبوابها بوجه المسؤولين ، منذ عام 2010 م ، ولا ندافع عن هذه الخطوة ، لكنّ المرجعية لديها عتبها الشّديد على الجهاز الحكوميّ ، وأبرز نقاط العتب هو عدم تقديم الخدمات اللّازمة لهذا الشعب المظلوم ، الذي عاني الظلم والقهر والتجويع من نظام بقي جاثما على صدره لسنواتٍ متماديةٍ ، فضلاً عن أمور أخرى لا مجال لنقاشها هنا , لكنّها استمرّت في دفع الشعب العراقيّ لدعم الانتخابات , والجدير بالذكر أنّ الشعب العراقيّ يمتلك ثقافةَ القدسيةِ العاليةِ للمرجعية ، وثقافة الطاعة والتقديس , فالشعب العراقيّ ومنذ زمنٍ قديمٍ شهد له المراقبون بأنَّ له مواقفَ مشرفةً مع المرجعية ، سواء في ثورة العشرين ، أم مع السيّد الإمام محسن الحكيم ، أو مع الشهيد الصدر الثاني ، ومن قبله الشّهيد الصّدر الأوّل.
ثانيا : نتائج دور المرجعية
وبهذا الصدد نسجّل الملاحظات التّالية:
(1) . إنّ تصدّي المرجعية في العراق لبناء دولة العراق الجديدة كان تصدّياً واضحاً وبارزاً ، أسهم في بناء أسس الدولة الحديثة ، وإليها يعود الفضل في تأسيس العملية السياسية وحفظها ، وشدّ الجماهير إِليها وإعطائها الشرعية ، وبمعنى أدقّ أنَّ المرجعية أدركت المعاناة الّتي يعيشها شيعة العراق تأريخياً ، وهو غياب الدولة الحقيقية الّتي تعني وجود دستور شرعيّ منتخب من الأمّة ، وليس دستوراً (منحة) أو دستوراً( عقداً) ، فأنَّ الدّستور الشرعيّ هو وحده من يبرز دور وحقيقة المكوّن ، أيّ مكوّن كان ، ووزنه العدديّ ، وأنّ الأنظمةَ السياسيّة تاريخياً كانت تتهرّب عبر التاريخ من هكذا دستور كي تغيّب حقّ الأكثرية .
2-​المرجعية تدرك أنَّ العهد العثمانيّ الذي حكم العراق قد حكمه تقريباً أربعة قرون ، دون أيِّ دستور إلّا في عام 1908 م ، ولم تتضح فيه معالم حقوق المكوّنات والهوية الوطنية ، وهكذا دستور عام 1925 م ، ومن ثمَّ الدساتير التي تلته عام 1958 م، ودستور 1964 م، وعام 1968 م، ودستور 1970 م ، كلّها غَيّبت حقّ المكوّن الشيعيّ ، فضلا عن المكوّنات الأخرى ، وتبانت على عزله ؛ لأنّها دساتير إمّا (عقدية) أو (منحة) لم يشترك الجمهور في صناعة القرار والإدارة فيها ، من هنا وجدت المرجعية نفسها ملزمةً شرعاً بأنْ تضع العملية السياسيّة في العراق على سكّة الدّستور ، ولاشيء سواه ، لأنَّ الدّستور الشرعيّ والذّي يشترك فيه أبناء الشعب كلّهم سيؤدّي إلى خلق عراقٍ موحّدٍ ، يمنح جميع المواطنين حقَّ المشاركة في الحكم على قاعدة المتقدّمة : «أنّ لكلّ ذي حقّ حقّه » .
3-​هذه الحقيقة الّتي أكّدتها المرجعية عملياً ، وتحت إشراف الأمم المتحدة دون انقلاب ولا تآمر ، بل من خلال موازينَ دستوريةٍ عاليةٍ تؤسّس إلى مستقبل وطنيّ للجميع ، ويجعلهم تحت خيمة الدولة والدستور وفق مبدأ التّعايش السلميّ ، لا على أسس إلغاء حقّ أي مكوّن ، كثر عدده أو قلّ ، كما كانوا يفعلون.
4-​ الدستور الذي سعت إليه المرجعية وأرشدت وأوصت وأصدرت البيانات والتوصيات بخصوصه ؛ تحوّل إلى ثقافة أمّة فيما بعد ، وترسّخت في أعماق أعماق الثّقافة السياسيّة للمكوّن الشّيعيّ ، وحتّى الكردي وغيرهم ، وأدركت الأمّة الشيعيّة أنَّ سفينة نجاتها في تمسّكها بالدستور كآلية لحفظ حقوقها وحقوق الآخرين. وأيضا تحوّل فيما بعد إلى آلية ترجع إليه القوى السياسية الشيعيّة حال الخصام والخلاف حول أمرٍ مّا.
هذا الدّستور العراقي على ضوءه أسست الدولة العراقية فيما بعد برلماناً وحكومةً ، وجهات تنفيذية وتشريعية ، وعليه تكون النتيجة أنَّ هذا الدّستور يعني الدّولة فيما بعد.
ومن هنا ندرك دور المرجعية الكبير في بناء دولة العراق ، وندرك من خلال مواقفها القدر الكبير الذي توليه لإسناد الدولة العراقية ، والحفاظ عليها ، وعلى رأس هرم الاهتمام المرجعيّ هو الحفاظ على العملية السياسية المحفوظة بالدستور ، لا بشيء سواه ، وإشراك الأمّة بالدستور ، وتحصين العملية السياسيّة من الانحراف أو الاختراق ، ودفع الأمّة لمواجهة التّحديات من خلال إشراك الجمهور بالانتخابات .
ثالثا : المرجعية والشعب العراقيّ.
إنّ الجمهور العراقيّ اليوم في الوقت الذي لا يُنكر للمرجعية دورها ، ولا ينسى لها المنجز الوطنيّ ، الذي يمكن أنْ يجعل العراق الدولة الوحيدة في العالم العربيّ التي تمارس الانتخابات وتشرك جميع المكوّنات ، إلّا أنّها بفعل الاخفاقات الحكوميّة عادت لتسأل عن دور المرجعية في هذه المرحلة فإنّ ثمّة أسئلةً تتردد – بقصد أو بدون قصد – ولابدّ لها من جواب ، وهي :
(1). هل أنّ دور المرجعية تلخّص ببناء الدولة وكتابة الدستور ووضع البلاد على سكّة العمل الانتخابيّ أم أنّ لها دورها في الدفاع عن الجمهور ، وحماية الدستور من خلال توجيه الأمّة إلى العناصر الصّالحة.
(2). إذا كان دور المرجعية ينحصر بالكلّيات ، أعني بها المقدّمات التي فعلتها ، فماذا تفعل الجماهير التي تعاني الاخفاق , هل تقاطعُ الانتخابات أم تشارك فيها ، وهل دعوة المرجعية «بانتخاب الصالح » كافية في تحصين العملية السياسية ، في ظلّ الاخفاق وتكرار ذات الوجوه ؟ .
(3). هل أنّ مقاطعة المرجعية للسياسيين كافٍ في تعديل العملية السياسية وإعادة علاقة الجمهور بها ؟.
(4). هل ترك تحديد مصداق الأصلح للأمّة يمكن التعويلُ عليه في ظلّ الاخفاق الذي تعترف فيه الأمّة .
هذا وغيره من الأسئلة كلّها أسئلة ملحّة ومهمّة ومؤثّرة ، ولها نتائج تلقي بظلالها على مستقبل العملية السياسية ، وتجعل الحوزات العلمية أمام حقيقة : وهي إمّا أنْ تختار آليات جديدةٍ لتدخل من خلالها في التفاصيل لتحديد الأصلح ؛ لإنقاذ مستقبل العملية السياسية – مثلا – من خلال ايجاد مؤسسات تحديد الأصلح عبر القانون ، وعبر المؤسسات الرسمية , وإمّا أنْ تبقى (المسؤوليات) بين الجمهور والمرجعية في مرحلة الدور , ولسان حال الأمّة في خطابها إلى المرجعية : «نعم نؤمن بالعملية السياسية ، ونطيع الحوزة العلمية ، ولكن لا نتمكّن من معرفة الأصلح ، وقد جرّبنا مراراً ولم نفلح ، فهل تعيدونا لنفس أخطائنا ، لقد أخفقنا فما هو الحلّ ؟ .. انقدونا يرحمكم الله. )). انته