كثرة الاحزاب تسهل الانتخاب ولاتسد الابواب ٠

حامد البياتي

لقد انكر البعض كثرة الاحزاب التي تقدمت للانتخابات والترشيح لانها فاقت حاجز المئتين، وكثرة التحالفات التي نجمت عنها وقاربت الثلاثين في عددها، وقد وصفها اخر بسوق عكاظ حيث يتنافس الشعراء للفوز بجائزة البلاغة والفصاحة والشاعرية والقبيلة، ولايخفى لهذا القول مافيه من مطاعن وهمز ولمز للمرشحين والراغبين بالاشتراك في العملية السياسية للوصول الى قبة البرلمان او لحمل احدى الحقائب الوزارية ٠
ومما قالوا ايضا ان كثرة الاحزاب تنم على كثرة من تحدثهم انفسهم بالزعامة والامارة، وهذا اشبه بمزرعة البصل التي تتزاحم فيها الرؤوس وتتطاول وتشرأب باعناقها الى الاعلى ٠
من المعروف ان العراق كان معصورا ومخنوقا بالاستعمار الذي لم يخرج من ارضه لايامنا هذه، لذلك فهو قليل الخبرة والممارسة لاصول الديمقراطية وفنونها وعلومها، وعلى هذا هب الكثير ليرى حظوظه في هذا المعترك الرئاسي ، وان معظمهم قدموا انفسهم الى منصة الانتخابات دون برنامج او منهاج، وشطرا اخر منهم قاموا باستنساخ برامج واجندة واهداف لترشيحه جمعها من هنا وهناك، دون ان يتروى بها ويتدبر في بنودها ومتونها التي قد تكون متقاطعة مع اخلاق واعراف المجتمع الذي يريد تمثيله وترجمة طموحاته وتطلعاته ٠
وهذا الامر لاينحصر في العراق، فكل الدول التي خرجت الى ساحة الاستقلال والانتخاب الحر، مر بهذه التجربة التي نعايشها اليوم ٠
فالفرنسيون بعد ثورتهم الكبرى التي اصبحت مشعلا لبقية الشعوب التي تريد تمزيق دثار الملوكية والاقطاع والكنيسة والطغاة، شكلوا في بداية مشوارهم الانتخابي المئات من الاحزاب والكتل والتحالفات، حتى شبهت ببورصة المال والعملات والاسهم بل ذهب البعض لكثرتها ان شبهها بالمحلات والدكاكين ٠
واستمر هذا الحال الى وقت قريب جدا، ففي الانتخابات التشريعية التي جرت في عام ٢٠١٢م شارك في هذا الكرنفال البرلماني والانتخابي اكثر من ٤٠٨ حزبا، وقد تمكن ٢٥ منها فقط من الدخول الى مجلس الامة بعد ان نالت ثقة المصوت لها ٠
وكذلك شبه القارة الهندية التي نالت تحررها من الاستعمار البريطاني في عام ١٩٤٧م، شاركت في اول انتخابات لها الالاف من الاحزاب التي فاقت مافيها من قوميات وطوائف واديان ومذاهب وعبادات، وبمرور الدورات لم تصمد وتتبلور الا القليل منها التي جذبت صناديق الاقتراع والتمثيل ٠
وهذا ماجرى ايضا في افريقيا الجنوبية، فبعد ان اطاحت بحكم الفصل العنصري المقيت، استقبلت الجهة المشرفة على الانتخابات العديد من الاحزاب المتنوعة المشارب والايدلوجيات والاتجاهات، فوقف المواطن المبتدئ امام مهرجانات من الاحزاب في بدأ مشواره ، ثم تقلصت هذه الاحزاب كلما احترف المواطن في اختيار ماينفعه منها والتي تحقق ذاته ورغباته ٠
اما قي روسيا فالامر فيه بعض الغرابة، فبعد انتصار ثورتها البلشفية الحمراء بقيادة لينين وستالين في سنة ١٩١٧م ، سارعت الاحزاب الى ارتداء الاشتراكية للانضمام الى الثورة لانتزاع بعضا من الفطيرة التي سقطت في الحضن الشيوعي ، وحينما اصبحت جنة الشيوعية حسبانا وصعيدا جرزا، خلعت عنها الولاء المزيف، واخذت سيرتها الاولى بلعن الشيوعية ونخبتها لتقترب من الناخبين ( كلما دخلت امة لعنت اختها ) ٠
والولايات الامريكية، لم تخرج عن هذا الجو، فما ان سكتت بنادقها في الحرب الاهلية، قبل ٢٥٠ سنة، حتى ابتدات لعبتها الديمقراطية، فتراثها الانتخابي عريق جدا، اذ شاركت في بواكير حياتها مالايعد من الاحزاب والتكتلات، حتى ثبتت على الحزبين الكبيرين الذي يستاثران بالاصوات، الديمقراطي والجمهوري الذي رشح لنا ترامب المريض نفسا واخلاقا والمسكون بنرجسيته، والذي تغزل حتى بابنته، وان لم تكن من صلبه، لصنع بها مايصنع الرجال بالتساء ٠
ان العراقي اليوم، مدعوا لاعطاء صوته لمن يثق به، وان كان حزبا صغيرا ومغمورا لعله الاقدر على تحقيق سؤله في حكم عادل ومنصف ومؤتمن، وهو بهذا الفعل الانتخابي يكسر تماسيح التحالفات التي هيمنت على السلطة من خلال استثمار المال السياسي في شراء الذمم لاجل تكريس نفعها وترسيخ مصالحها وتغويل نفوذها ٠
قال تعالى ( الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه ) ٠
صدق الله العظيم ٠
حامد البياتي ٠
١٩/١/٢٠١٨ ٠